سيد محمد طنطاوي
421
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي . . . ) * . قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر هذه الرواية وغيرها : وهذا السياق يقتضى فيما يظهر بادي الرأي ، أن هذه الآية مدنية ، وأنها نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة ، مع أن السورة كلها مكية . وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية ، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك . أو أنه نزل عليه الوحي بأنه يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه ، وهي هذه الآية : * ( ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ . . . ) * . ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس قال : قالت قريش ليهود . أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل ؟ فقالوا : سلوه عن الروح ، فسألوه فنزلت : ويسألونك عن الروح . . الآية » « 1 » . وكلمة الروح تطلق في القرآن الكريم على أمور منها : الوحي ، كما في قوله - تعالى - : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِه عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه . . . « 2 » . ومنها : القوة والثبات كما في قوله - تعالى - : أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمانَ وأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْه . . . « 3 » . ومنها : جبريل ، كما في قوله - تعالى - : نَزَلَ بِه الرُّوحُ الأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ . . . « 4 » . ومنها : القرآن كما في قوله - سبحانه - : وكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا . . . « 5 » . ومنها : عيسى ابن مريم ، كما في قوله - تعالى - : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّه وكَلِمَتُه أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْه . . . « 6 » .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 3 ص 60 . ( 2 ) سورة غافر الآية 15 . ( 3 ) سورة المجادلة الآية 22 . ( 4 ) سورة الشعراء الآية 193 ، 194 . ( 5 ) سورة الشورى الآية 52 . ( 6 ) سورة النساء الآية 171 .